كبرتُ… قبل أن أعيش
في أحدِ الأحياءِ القديمةِ، كان هناك برجُ ساعةٍ لا يعرفُ أحدٌ مَن بناه، ولا متى بدأ بالعمل. كانت عقاربُه تمضي ببطءٍ غريب؛ أبطأَ من ساعاتِ الناس، لكنّ صوته كان أعلى، كأنّه يذكّر المارّين بشيءٍ لا يريدون سماعه.
كان يمرّ من تحته كلَّ صباحٍ رجلٌ في منتصف العمر، يحمل حقيبةً ممتلئةً بالأوراق، وخطواتُه سريعة كأنّه يطارِدُ فكرةً هاربة. كان يعتقد أنّه إن فكّر أكثر، سيُخطئ أقل، وإن خطّط لكلِّ شيء، فلن يفوته شيء. لذلك لم يكن يرفع رأسه نحو البرج، ولا يسمع دقّاته.
وعلى مقعدٍ قريبٍ من الساعة، كان يجلس شيخٌ مسنّ، يراقب الناس بصمت، ويبتسم كلّما دقّت الساعة. لم يكن يمسك ساعةً في يده، ولم يكن يبدو عليه القلق. إذا سأله أحد:
— أما تخشى أن يضيع وقتك؟
أجاب بهدوء:
— الوقت لا يضيع… نحن الذين نمرّ.
مرّت السنوات، وتغيّر الشارع، وأُغلِقت محالّ، وفُتِحت أخرى، وسقطت أوراقُ أشجارٍ كثيرة. أمّا الرجل، فقد صار أكثر انشغالًا، وأثقل تفكيرًا، حتى بدأت الأفكار تتشابه في رأسه: خوفٌ من الغد،
🆔 363
👁 318